أحمد بن ابراهيم النقشبندي
50
شرح الحكم الغوثية
عنايته فيك لا لشيء منك ، وأين كنت حيث واجهتك عنايته ، وقابلتك رعايته ؛ لم يكن في أزله إخلاص أعمال ، ولا وجود أحوال ؛ بل لم يكن هناك إلّا محض الإفضال ، وعظيم النوال ، فلا تعقد نية همتك إلى غيره . فالكريم لا تتخطّاه آمال الطالبين ، لا ترفعن لغيره حاجة ، هو موردها عليك ، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا ؟ إن لم تحسن ظنّك به من أجل وصفه حسن ظنّك به ؛ لوجود معاملته معك ، هل عودك إلّا حسنا ؟ وهل أسدى إليك إلّا مننا . العجب كل العجب ممن يهرب ممن لا انفكاك له عنه ، ويطلب ما لا بقاء له معه . قال تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] ؛ ولذلك قال : 3 - لا يصلح سماع هذا العلم إلّا لمن حصلت له أربعة : الزّهد ، والعلم ، والتوكّل ، واليقين . أي لا يصلح سماع هذا العلم : أي علم الطريقة إلّا لمن حصلت له أمور أربعة : الأول : الزّهد ، وهو ترك فضول الحلال « 1 » .
--> ( 1 ) إن الزهد يختلف باختلاف المقام ، فللعوام زهد بمعنى ترك الحرام ، وللخواص زهد أيضا وهو ترك الفضول من الحلال ، ولأخصهم زهد وهو ترك ما يشغلك عن مولاك ، والكل خير وممدوح على ما ورد به الحديث حيث قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الزهد خير كله » ، والكامل الأخير ؛ لأن حقيقة الزهد أن تترك نفسك دنياك وروحك عقباك ، ويبقى سرّك مع مولاك . وقال الشيخ الجيلي قدّس سرّه في الإنسان الكامل : « زهد المسلمين والمؤمنين والمحسنين في الدنيا ولذاتها ، وزهد الشهداء في الأولى والعقبى ، وزهد الصديقين في سائر المخلوقات ، فلا يشهدون إلا الحق تعالى مع الأسماء والصفات ، وزهد المقربين في البقاء معهما فهم في الحقيقة للذات » ، ويمكن أن يكون مراد الشيخ هذا الأخير وهو الظاهر من إطلاقه ، ويمكن أن يكون مراده زهد الصدّيقين ، لكن بتقدير معطوف بعد الجبار أي : وأسمائه وصفاته ، والمعنى ليس الزاهد الكامل الذي يعمل الزهد في الدّنيا والدرهم المستعبدين للناس والمهلكين لهم حيث ورد : « أهلك الناس الدينار والدرهم » بأن يترك الالتفات إليهما بحيث لا يخطران لا هما ولا وجودهما بباله ، بل الزاهد الكامل الذي زهد فيما سوى الجبار من الدنيا ، والآخرة وما يتعلق بهما حتى العلوم والمعارف بأن يشهد الحق وأسمائه وصفاته ، بل لا يشهد